عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

503

اللباب في علوم الكتاب

وجوابه ما بينا : أنّ هذا لا يليق بضده ، ثم اختلف القائلون بهذا القول : متى كانوا متفقين على الكفر على ما قدّمنا ثمّ سألوا أنفسهم سؤالا وقالوا : أليس فيهم من كان مسلما كهابيل ، وشيث ، وإدريس . وأجابوا : بأنّ الغالب كان هو الكفر ، والحكم للغالب ، ولا يعتدّ بالقليل في الكثير كما لا يعتدّ بالشعير القليل في البر الكثير ، فقد يقال : دار الإسلام ، وإن كان فيها غير المسلمين ، ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون . الثالث : قال أبو مسلم « 1 » : كانوا أمّة واحدة في التمسّك بالشرائع العقلية ، وهي الاعتراف بوجود الصانع ، وصفاته ، والاشتغال بخدمته ، وشكر نعمه ، والاجتناب عن القبائح العقليّة كالظّلم ، والكذب ، والجهل ، والعبث ، وأمثالها . واحتجّ القاضي « 2 » على صحّة قوله : بأنّ لفظ النّبيين يفيد العموم والاستغراق ، وحرف « الفاء » يفيد التّراخي ، فقوله « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ » يفيد أنّ بعثة الأنبياء كانت متأخّرة عن كون الناس أمّة واحدة ، فتلك الواحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع ، لا بدّ وأن تكون واحدة في شرعة غير مستفادة من الأنبياء فواجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيّنّاه ، وأيضا فالعلم بحسن شكر المنعم « 3 » ، وطاعة الخالق ، والإحسان إلى الخلق ، والعدل ؛ مشترك فيه بين الكلّ ، والعلم يقبح الكذب ، والظّلم ، والجهل ، والعبث ، وأمثالها مشترك فيه بين الكل ، فالأظهر أنّ الناس كانوا في أوّل الأمر على ذلك ، ثم اختلفوا بعد ذلك ؛ لأسباب منفصلة ، ثم قال : فإن قيل : أليس أوّل الإسلام آدم - عليه الصلاة والسلام - مع أولاده كانوا مجتمعين على التّمسك بالشرائع العقلية أوّلا ، ثم إنّ اللّه تعالى بعثه بعد ذلك إلى أولاده ، ويحتمل أن صار شرعه مندرسا بعد ذلك ، ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية ؟ قال ابن الخطيب « 4 » : وهذا القول لا يصحّ إلّا بعد تحسين العقل ، وتقبيحه ، والكلام فيه مشهور . القول الرابع : أنّ الآية دلّت على أنّ الناس كانوا أمّة واحدة ، وليس فيها أنّهم كانوا على الإيمان ، أو على الكفر ، فهو موقوف على الدّليل « 5 » . القول الخامس : أنّ المراد ب « النّاس » هنا أهل الكتاب ممّن آمن بموسى - عليه السلام - وذلك لأنّا بينا أنّ هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [ البقرة : 208 ] وذكرنا أنّ كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 12 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 13 . ( 3 ) سيأتي الكلام على شكر المنعم في سورة الأنعام . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 13 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 13 .